الصفحة الرئيسية   ربيع نتنياهو

«الربيع العربي».. تجلّيات عمليّة «الشرق الأوسط الكبير» بالنكهة الأميركية - تحقيق وتوثيق: ليلى زيدان عبد الخالق

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كل الأخبار - البناء

«قد لا أعتقد أنّ سورية مرّت بمرحلة لم تكن فيها هدفًا لمؤامرات مختلفة قبل الاستقلال أو بعده لأسباب عديدة بعضها مرتبط بالجغرافيا السياسية المهمة لسورية والبعض الآخر مرتبط بمواقفها السياسية المتمّسكة بمبادئها ومصالحها… فالمؤامرات كالجراثيم تتكاثر في كل لحظة وفي كل مكان… لا يمكن إبادتها إنما يمكن العمل على تقوية المناعة في أجسانا لصدّها… فما رأينا من مواقف سياسية وإعلامية ليست بحاجة للكثير من التحليل لتأكيد وجودها ومواجهتها لا تكون بإضاعة الوقت بالحديث عنها أو بالخوف منها بل تكون بالبحث عن نقاط الضعف الداخلية».

الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد
في لقاء تلفزيونيّ للحديث عن كتابه «كسب الحروب الحديثة» ومن أجل استثمار ما يتضمّنه الكتاب من أفكار تظهره كـ«قائد استراتيجي» جديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية قال الجنرال ويسلي كلارك إنه «بعد عشرة أيام من حادثة 11 أيلول ذهبت إلى البنتاغون وقابلت رامسفيلد ثم هبطت إلى الطابق السفلي لمقابلة بعض الأشخاص الذين كانوا تحت إمرتي. فبادرني أحد الجنرالات قائلًا: «سيدي عليك القدوم والتحدث معي لدقائق». وهذا ما فعلته فإذا به بعد ذلك يروي لي قصة قرار يتعلّق بالحرب على العراق.
سألته: «نحن ذاهبون إلى الحرب ضد العراق! لماذا؟».
أجاب: «لا أدري!!!».
بعد أقل من شهر عدتُ لمقابلة هذا الجنرال وكنّا يومها قد بدأنا القصف الجوي على أفغانستان. فقلت له: «هل ما زلنا على قرارنا بالحرب على العراق؟» فإذا بجوابه يشير إلى ما هو أسوأ: «لقد استلمت هذه من الأعلى وكان يقصد مكتب وزير الدفاع وهي تتضمن خطة تقضي باحتلال سبع دول خلال خمس سنوات 2003 2008 وهذه الدول هي: العراق سورية لبنان ليبيا الصومال السودان وتنتهي في إيران»!!!
بالنسبة إليه فإن ما سمعه بدا له أشبه ما يكون بالروايات التي يؤلفها «إيان فليمنغ» عن جيمس بوند إذ «يبرز في كل رواية أشخاصًا معتوهين د. نو وغولد فينغر وغيرهما من الأشرار ممّن يسعون إلى السيطرة على العالم فيضطرّ «007» مرغمًا على ترك سرير حبيبته ومطاردتهم والقضاء عليهم ثم يعود ليحتسي كأس مارتيني. لكن في الواقع فإن ما كنا نظنه من الخيال قد وجد طريقة للتنفيذ في عهد بوش الابن ذلك أنه في 30 أيلول قدّم وزير الدفاع رونالد رامسفيلد لرئيسه مذكرة لغزو العراق وتغيير الأنظمة في إيران وسورية وأربع دول أخرى. وأن يكون هذا الغزو مقدّمة لإقامة «أنظمة جديدة» يساهم السكان المحليون في تكوينها خصوصًا ـ ودائمًا بحسب المذكرة ـ «أنّ الأنظمة القديمة التي تدور في فلك السياسية الأميركية قد أصبحت منتهية الصلاحية»!
واقع الأمر أنّ سيناريو تغيير الأنظمة بمشاركة السكان المحليين لم يحظَ ـ بعد أن وفّر انهيار الاتحاد السوفياتي صعود نجم «القائد الكاريزمي» جورج بوش ـ بأيّ اهتمام جدّي بل على العكس فقد برزت رؤية جديدة للشرق الأوسط مفادها أنّ التحدّي الذي كان يمثله المعسكر الاشتراكي والشيوعية في السابق انتقل إلى تحدٍّ آخر صادر عن الدول العربية والإسلام المتشدّد. وكانت وجهة النظر هذه متعاطفة استراتيجيًا مع آراء حزب «الليكود الإسرائيلي» لا بل اكتسبت دعمًا كبيرًا أيضًا من المسيحيين الأميركيين الأصوليين.
هكذا انتظمت خلال عقد التسعينات من القرن الماضي رؤية مشتركة بين النزعتين الأميركية و«الإسرائيلية» تكرّست تسميتها بـ«النزعة المحافظة الجديدة» ومعها راحت تطبّق الادّعاءات المستمدّة من تلك الصورة الكاريكاتورية للتاريخ الروماني أي الادّعاء بأنّ القدر هو الذي وضع أميركا بعد انتصارها في الحرب الباردة في حتمية المواجهة بين الخير والشر! ولكي تكتسب يقينًا أخلاقيًا كان يجب تبريرها وشرحها في سلسلة من المقالات والكتب انطلاقًا من الميراث الفكري لامبراطوريتين: حكمة الإغريق وفيالق الجيوش الرومانية… وبالتالي عبر ضباب ما بعد «نهاية التاريخ» للكاتب فرنسيس فوكوياما وعبر الكتاب الأكثر تأثيرًا أي «صدام الحضارات» لصموئيل هنتنجتون إذ سيوفّر كل من الكتابين تفسيرًا شاملًا لتلك اللحظة الفريدة في التاريخ. وعلى هذا الأساس قُدّمت حجة قوية للدّاعين إلى القوة العسكرية باعتبارها الوسيلة الوحيدة والمركزية في «الصراع الوجودي مع الإسلام»… وفي مدى هذه الرؤية سارت الاستراتيجية الأميركية بل وزاد من حيويتها التقاليد الإمبريالية القديمة والحنين إلى النهوض الإمبراطوري.
وسرعان ما سوف يبدأ التهديد لا بل لم يلزم ذلك وقت قصير لرؤية سلسلة لم يسبق لها مثيل من النزاعات الدموية خصوصًا «غزوة الكويت» التي جاءت بالخبر السعيد: لقد ظهر للإمبراطورية عدوّ جديد في منطقةٍ تمزقها النزاعات: حشد قدرة عسكرية دفاعية وهجومية في دول الخليج إذ وصل عديد القوات الأميركية في المملكة العربية السعودية إلى 50000 ألف جندي.
الأب والابن وما بينهما
وجاءت النتيجة: الحرب الأولى على العراق لتصبح هي الخطيئة الإنسانية لميراث جورج بوش الأب: الدمار والضحايا والتورّط مدمّر السمعة ومسبّب الاستياء بشكل متزايد في دول الشرق الأوسط: في السنوات الـ12 التالية لم يعُد يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها ترتدي العباءة الإمبريالية ـ البريطانية فحسب إنما أيضًا بأنها تُظهر السلام في حين تمارس وعودًا مماطلة أفضت إلى توسيع المستوطنات. كما أن نشر القوات الأميركية على الأراضي المقدّسة في المملكة العربية السعودية شكّل في الوقت نفسه الحافز الأساس لتعبير الجهاديين التكفيريين ـ ومن شدّة سخطهم ـ عن تبنّيهم مذهب الكراهية لأميركا…وهكذا ظهر تنظيم القاعدة على المسرح العالمي.
أما جورج دبليو بوش فقد غادر منصبه وهو يحمل معه جرحًا نرجسيًا غير مسبوق: فبدلًا من أن يستحق احترامًا من شعبه استحق السقوط في انتخابات الولاية الثانية. وفي سنة 1992 سيحوّل دبلوماسي شاب دعوته الواعدة حول تأسيس «نظام عالميّ جديد» إلى التأكيد على ان النظام الإمبريالي القديم ما زال ساري المفعول ولم تنتهِ صلاحية استعماله بعد: فعندما سقط بوش أفسح في المجال لرجل آخر مكانه في البيت الأبيض وهو «بيل كلينتون».
والرئيس الجديد هذا لم يكن في وارد تغيير السياسات الأميركية إنما رأى أن السياسة الخارجية هي استمرار للسياسة الداخلية لكن بأدوات أخرى: لقد اختار قول كلوزوفيتز الشهير بأن «الحرب مواصلة للسياسة بأدوات أخرى». وهكذا ظلّت إدارة كلينتون على مدى ثماني سنوات «تبقي العراق تحت نظرها وتضيّق عليه خطوة بعد خطوة معتمدة سياسة الصندوق المغلق أي استمرار حصاره اقتصاديًا وسياسيًا ورعائيًا معتقدة بأنّ الخنق حتى وإن كان بطيئًا أشدّ قسوة من القتل الذي يأتي سريعًا. لكنها كانت أيضًا بين الحين والآخر تلجأ إلى ضربات صاروخية تذكيرًا بـ«المصير المحتوم»!!!
لبثت قضية العراق على حالها طيلة سنوات حكم بيل كلينتون لا بل اتّبعت إدارته نهجًا دوريًا لشنّ هجمات جوية ضدّ مقدّرات صدّام العسكرية كما أنها ضاعفت عديد القوات الأميركية في دول الخليج. وفي غضون ذلك استمرت العلاقات مع إيران مجمّدة في عداء متبادل فيما جماعة الضغط الجمهوري ضغطت أكثر فأكثر في سبيل السيطرة على البترول والتحالف مع «إسرائيل» وتطويع الشعوب العربية والتلويح بشبح «الخطر السوري» بسبب ممانعتها إزاء كل محاولة التفاف على القضية الفلسطينية أو إجهاض حقوقها في استرجاع أراضيها وبالتالي بسبب رفضها ومقاومتها كل ما يمسّ تضامن الشعوب العربية.
والشاهد أنّ سورية في سياستها إنما اتّبعت مصالح دولتها العليا بصفتها دولة أكثر ارتباطًا بالقومية إن لم تكن أكثر انخراطًا ونضالًا في سبيل استكمال بناءاتها الوحدوية كما أنها ـ وبحسب الباحث الألماني «فولكر بريش» ـ تتخذ قراراتها الاقتصادية باستقلالية تامة وفريدة من نوعها بين الدول حتى أنها أصبحت إحدى صفاتها بل وميسمها وصميم أصالتها الوطنية.
والشاهد أيضًا أنّ غياب النفوذ الأجنبي والغربي منه بصورة خاصة يسمح لسورية باتّباع سياسات ذات خطوات ثابتة ولعلّ هذا ما ساهم في استقرارها وعدم اهتزاز نظامها السياسي رغم كلّ التوقّعات والحسابات الخارجية حتى بعد الأزمات الاقتصادية التي تسبّب بها أكثر من حصار اقتصادي وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومراحل «عزلة صارمة إقليميًا ودوليًا وافتعال مشاكل داخلية لإضعافها». لقد كان الردّ السوري على التحدّيات كافة وإن كان الحلف الأطلسي ـ من يطرق بابها ـ يستند إلى قرار وطنيّ مستقل.
والحال أنه عندما غادر كلينتون منصبه كان العالم منشغلًا بمفاعيل العولمة وتداعياتها وكانت موجة معاداة أميركا المتصاعدة غير محصورة بالشرق الأوسط بل إن بعض حلفاء أميركا بدؤوا ينفرون من قوة أميركا المتغطرسة ثم أخذ الانتشار النووي يمتدّ بعد ثماني سنوات من المفاوضات غير المهمة والاحتجاجات العقيمة.
وهكذا فشلت «النوايا الطيبة» في التعويض عن الافتقار إلى استراتيجية واضحة وإنسانية. أما الميراث الذي تركه كلينتون عام 2001 فقد كان يفتقر إلى المراجعة التي غدت يومذاك ملحّة ومفيدة.
بوش الابن
في سياق معركة الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2000 كانت قضية تحرير العراق ووجوب وضعه موضع التنفيذ هي الأكثر جدلًا وإثارة بين المرشحين: «جورج بوش» الجمهوري و«آل غور» الديمقراطي… غير أنّ كلاهما لم يذكرا أن استهداف العراق في أصله وأساسه لم يكن قضية عدالة أو ديمقراطية أو مقاومة إرهاب إنما سبق إصرار وتصميم على التدمير والقتل أو ما أطلق عليه حفلة «صيد الحبش»: بات العراق بعد تحرير الكويت في حالة «الدولة المطيعة» لا تتصرّف أو تخالف وذلك أملًا في أن يكون «الإذعان» وسيلة تخرجه من الحصار الخانق ومن ثمّ من كارثة العقوبات.
وفي الأساس ـ وعلى أيّ حال ـ لم تكن قضية العراق سوى بداية خطوة في رحلة «بناء ديمقراطية القرن الحادي والعشرين».
كان من الطبيعي أن يكون الابن امتدادًا لصوت أبيه لا بل سوف يستمدّ من وهج الأب ومن مفارقة سقوطه الانتخابي وهجًا طمس فوزه الملتبس. وها هو الآن في البيت الأبيض ـ الذي سبق أن عاش فيه «عائليًا» وكان عليه أن يجمع الشظايا المتناثرة هناك في المكتب الرئاسي وهنالك على أرض الشرق الأوسط.
وهو بعد هذا وذاك لن يكون وحده إنما سيكون معه أو من حوله كل أولئك الذين تبنّوا فكرة «المشروع الإمبراطوري»: اثنا عشر رئيسًا مشوا جميعًا في مدى رؤية هذا المشروع بعضهم تعثّر والبعض الآخر سار نحوه خطوات لكن بوش الابن سار أميالًا بعيدة… وكانت قوّة الدفع كبيرة.
في البداية كانت الاستراتيجية التي أعدّت من أجل «الإمبراطورية العظمى والقيصر الجديد» مزيجًا من الصياغات الأشد إمبريالية لمسودّة وثيقة الأمن القومي التي أعدّها عام 1991 المسؤولون في وزارة الدفاع في إدارة جورج بوش الأول وكثيرون منهم عادوا كمستشارين لبوش الثاني والأفكار المتشدّدة للمحافظين الجدد عن العالم وانشغالهم بالشرق الأوسط بصورة خاصة.
وهكذا عكست الحرب على العراق المخاوف الإمبريالية التقليدية بشأن السيطرة على منابع نفط الخليج مع التزام المحافظين بتعزيز أمن «إسرائيل» عن طريق القضاء على التهديد المزدوج: سورية والمقاومة.
وقد أفضت النتائج الأولية لإنهاء نظام صدام حسين إلى الأمل باستكمال إنهاء التهديد المزدوج لأن القيصر الجديد عالي الهمّة مازح الحاكم الجديد للعراق المتمثل بقوله: «هل ستكون سورية وإيران خطوتك التالية»؟
وفي خبر أوردته مجلة «نيويورك تايم ماغازين» فإن أحد كبار مساعدي بوش قال وبشكل تهكميّ: «إن العالم ـ ويقصد العالم الأميركي الجديد ـ لم يعُد يعمل بطريقة تقليدية… إننا الآن إمبراطورية وعندما نتصرّف نخلق واقعنا الخاص نحن نصنع التاريخ وسنترك للجميع دراسة ما نقوم به». وبحسب بريجينسكي فإن «المرء باستطاعته أن يتصوّر أحلام اليقظة التي أفضت إلى هذا الإعلان: أولًا العراق ثم سورية فإيران والمقاومة».
لا غرو في أن الانتقام التاريخي من كل نظام يحاول أن يكون نقطة اعتراضية أمام الزحف الإمبراطوري الأميركي. لم يتأخر في الظهور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لكن هذه المرة أخذ الانتقام شكل الزحف الاستباقي وفي صيغة «حسم كارثيّ» للنظام المستهدف لتبلغ هذ الاستراتيجية ذروتها.
وفي المقابل فإن هذا المسار قد ألحق ضررًا بالموقف الأميركي فكان الأمر الكارثي هو تصدّع مصداقية أميركا العالمية: فبعد مرور شهرين على سقوط بغداد بقي بوش الابن مصرًّا على أنه قد عثر على أسلحة الدمار الشامل كما تعرّض الموقف الأخلاقي الأميركي للانهيار جرّاء قضايا سجنَيْ أبو غريب وغوانتانامو.
وإلى جانب هذا كله فإن الخسائر المادية للحرب وباطّراد تجاوزت 300 مليار دولار فيما عدد الذين قتلوا من الأميركيين زاد على ثلاثة آلاف وأصيب بالعجز أكثر من 20000. ويبقى أنّ المردودية من هذه الحرب التي اندفع فيها الابن من أجل ترتيب «الشرق الأوسط الكبير» جاءت مخيبة لآماله: ازدياد الإرهاب اشتداد جاذبية التطرّف بثّ العداء السياسي تجاه الأجانب و«العداوة الدينية» نحو الكفار وتطور تقنية القتال ضدّ الجنود الأميركيين… وفي السياق نفسه كشف استطلاع للآراء بأن الذين كانوا يتمنون أن يُقتل المزيد من الأميركيين بلغت نسبتهم ما يقارب المستوى الحدّي: 93 في المغرب 91 في الأردن 82 في كل من لبنان وتركيا وإندونيسيا 81 في فلسطين و74 في باكستان.
خلاصة القول إن الولايات المتحدة انتهت إلى أن تكون إمبراطورية للشرّ عينه وإمبراطورية مديونة بل مفلسة لا يقوى اقتصادها على الاستمرار إلا بفضل احتجاز أموال غيرها!
لكن ـ وبمفارقة مأساوية ـ فإن الإمبراطوريات عندما لا يخيفها الموت إلا من ذاتها المتآكلة تلجأ إلى حروب خارجية كي لا تتأمل انحلالها!
مفاتيح
عام 2006 تنبّأ المفكر الأميركي ريتشارد هاس بتراجع الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط وذلك في دراسة عنوانها «نهاية الحقبة الأميركية الرابعة وولادة الحقبة الأميركية الخامسة».
هذه النبوءة جديرة فعلًا بالتوقّف عندها أولًا لأنها صادرة عن أبرز خبير أميركي في الشؤون الدولية خصوصًا شؤون الشرق الأوسط وثانيًا لأن صاحبها هو رئيس مجلس العلاقات الخارجية التابع للكونغرس ومدير سابق للجنة التخطيط للسياسات في الخارجية الأميركية وثالثًا لأنه أوّل من تنبّأ بـ«هيمنة الحركات الإسلامية على كامل نظم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» ورابعًا لأن ما تنبّأ به حول هيمنة الحركات الإسلامية إنما جاء في سياق المحاولات الأميركية لاستعادة نفوذها في الشرق الأوسط بعد سلسلة الهزائم السياسية والاقتصادية والعسكرية التي منيت بها وخامسًا لأنّ هذه المحاولات تأطّرت في خطط «طروادية» كان الإخوان المسلمون حصانها الأخير. «لقد أدّت محاولة الصعود الإسلامي والانحدار الأميركي والصهيوني هزيمة 2006 إلى التقاء مصالح إجباري حتّم حصول تقاطعات ظرفية ـ على الأقل ـ بين الإدارة الأميركية وبعض الحركات الإسلامية العربية لا سيما منها «حركة الإخوان المسلمين».
وهكذا وبموجب هذا التقاطع بدأنا نشهد في إطار ما أطلق عليه «الربيع العربي» عملية وصفها الكاتب محمد حسنين هيكل بـ«عملية استلام وتسليم المفاتيح».
كما هو معروف فإن «صندوق معدّات» التحولات الأميركية الجوّال قد حطّ رحاله في تونس ثم تابع سيره نحو مصر واليمن وليبيا إلى أن وصل إلى سورية ـ قطب الرحى ـ في مشروع «الشرق الأوسط الكبير». وكما هو معروف أيضًا أن محاولة إسقاط النظام السوري كانت قد بدأت فعلًا وبصورة معلنة عام 2005 أي بعد اغتيال رفيق الحريري. لكن ما هو جديد في هذه المحاولة هو أن أميركا ودول الغرب الأوروبي وبعض الدول العربية قامت باستدراج قوى إسلامية تكفيرية إلى الانخراط في محاولة إسقاط النظام: فقد تمّ اختراع «ثوّار للمشهد» جُمعوا من كل أصقاع العالم من أجل حرب مفتوحة لا تنتهي إلا بنهاية سورية.
إلى الآن فإن عدد المسلمين وجلّهم من التنظيمات الإسلامية وحركة الإخوان وهم في آخر إحصاء بريطاني ليسوا أقلّ من ثمانين ألفًا وبعضهم من العسكريين المنشقّين ومن حركات صغرى مرتزقة… كل هؤلاء «الذين عبروا الحدود من العراق وتركيا والأردن ولبنان وجاء تمويلهم وتدريبهم وتسليحهم من دول عديدة» هم الذين سيشكلون «ثورة للمشهد التلفزيوني».
وكان واضحًا أنّ الأمر لم يكن وليد ساعته بل هو ثمرة جهود أميركية بذلت من قبل اندلاع الأزمة أي من قبل 15 آذار 2011 التخطيط لعملية «الربيع العربي» مع استلام باراك أوباما وفريقه الإدارة الأميركية نهاية عام 2008. غير أنّ الغالبية الساحقة من المفكّرين العرب لم تنتبه إلى ذلك بل اكتفت بالتعامل مع الأفكار التي راح ظهورها يتزايد تزايدًا مطّردًا ومنها فكرة الإصلاح السياسي للنظم العربية على أنها واحدة من تجليات وعود أوباما الإصلاحية إزاء الشرق الأوسط «تعزيز الأمن في الشرق الأوسط الكبير ودعمه» كبديل عن السياسة الخارجية الأميركية التي «كانت تميل في السابق إلى أسلوب التدخل المباشر لفرض إصلاحات إذعانية».
أولى هذه الأفكار وأهمها على الإطلاق تبلورت في دراسة شارك في إعدادها بحسب موقع السلام الأميركي ثلاثون باحثًا وناشطًا وخبيرًا أميركيًا كان من بينهم فرنسيس فوكوياما والبروفسور لاري ديموند صاحب كتاب «عولمة الديمقراطية» والبروفيور دانيال برومبيرغ رئيس معهد السلام الأميركي ومدير مبادرة أميركا والعالم الإسلامي مقرّها قطر … وعشرات المؤسسات وبعض الخبراء العرب!!!
ولإضفاء الطابع الإصلاحي المجرّد من أيّ شبهة فإنّ الدراسة استلهمت منطلقاتها من خلال رؤية الرئيس الجديد الذي «شدّد على علاقات جيدة بين الولايات المتحدة وغالبية الدول المسلمة». وهي على أيّ حال الرؤية إياها التي تحدث عنها بوضوح تام خلال خطابه الشهير في القاهرة في 4 حزيران عام 2009.
لكن في الدراسة ذاتها وردت جملة ـ لم تكن اعتراضية أو حتى هفوة ـ عكست جانبًا آخر من المشروع. تقول هذه الجملة وهي مقتبسة من ترجمة تناول مضمونها حسن محمد الزين في كتابه عن الربيع العربي أن أميركا تقدّم ما تعتقد بأنه «استراتيجية مجدية سياسية وطويلة الأمد» وأنها هي «الاستراتيجية المفضلة سواء في الاعتماد على الوضع الراهن من جهة أو محاولة تقويضه بسرعة عن طريق تشجيع تغيير النظام من جهة أخرى»… والجملة الأخيرة هي الأخطر على الإطلاق ذلك لأنها تشير وبصورة رسمية إلى أنّ مسألة «التقويض السريع للنظم العربية» إنما قد طُرحت قبل سنة كاملة من ولادة ما يسمّى بـ«الربيع العربي» الأمر الذي يؤكّد أنّ هذه الولادة قد حصلت بـ«طلق اصطناعيّ» وأنّ الهدف منها ينطوي على التباس ليس أقل من التباس الولادة ذاتها. وأن هناك احتمالات حدوث صدامات بين الإسلاميين والأنظمة الحاكمة. وأنه في البلدان المركّبة من مكوّنات إثنية ومذهبية فإن محاولات التغيير ستشهد عنفًا همجيًا يصعب السيطرة عليه. وسوف توضح «واشنطن بوست» هذه النبوءة إذ تقول: «ستعمّ حركة التغيير المنطقة كلّها لكن ليس في مرّة واحدة ودفعة واحدة إنما بأثر عدوى أحجار الدومينو». لهذا وكي لا يستأثر الكيان الصهيوني بما سوف يحدث ـ وبنبرة حاسمة والكلام ما زال لـ«واشنطن بوست» ـ هو أن يرسم الرئيس أوباما شكلًا من أشكال الضوابط والقيود وهو ما قد رُسم بالفعل في مذكّرته لمجلس الأمن القومي التوجيه رقم 11 تاريخ 12 آب 2010 إذ حدّد خمسة قيود لعملية التغيير:
أمن الكيان الصهيوني واتفاقيات السلام الموقعة بين العرب وهذا الكيان.
السيطرة على منابع النفط العربيّ ومصادره.
الحفاظ على خطّ مكافحة الإرهاب واستمرار المواجهة مع القاعدة وحزب الله وإيران.
إحكام السيطرة السياسية على مواقع التغيير.
عدم ظهور أميركا بمظهر الذي يتخلّى بسهولة عن حلفائه.
وفي الحقيقة هناك ما هو أكثر من هذا كلّه تفصيلًا وتحديدًا وتوجيهًا وقد لا يسع المرء إلى أن يجمعها في إطار مقال واحد ومستطرد غير أنها في خلاصتها يمكن للمرء لو قام فقط بعملية مسح للمواقف والدراسات والتوجيهات الصادرة عن الإدارة الأميركية في الأعوام التي سبقت «الربيع العربي» لتبيّن له ما قد حدث في بلدان هذا الربيع والذي سوف يستمرّ طبقًا لما جاء في تلك التوجيهات والدراسات والاقتراحات التي سبقتها. جاء في سياق البحث عن أجوبة خلّاقة لإخراج الولايات المتحدة من مأزقها المزدوج: الداخلي والخارجي على حدّ سواء.
وكانت البداية في «الجواب الخلّاق» الذي وجد تعبيره في انتخاب باراك أوباما نفسه فهذا الانتخاب ـ وبمفارقة ساخرة ـ امتصّ النقمة والتداعيات القاتلة الناشئة عن سياسة أميركا الممتدّة من عهد رونالد ريغن إلى عهد جورج بوش الابن إذ أنّ هذه السياسة اتّصفت بالوحشية والعنف والاستئثار والاستجابة الدائمة لكل ما هو عسكريّ وأيضًا امتصت الاقتصاد الأميركي حتى النخاع.
ما إن ظهرت صورة «الرئيس الأسود» ذو الأصول الزنجية وحتى الإسلامية ربما حتى شرع العالم الإسلامي يموج زهوًا بهذه العودة الظافرة لـ«قائد العالم الجديد». فيما الحقيقة هي أن أميركا بدلًا من ظهورها بمظهر الفيالق الرومانية واعتماد سياسة صلفة لجأت إلى سياسة «القوة الناعمة» ومضت في رحاها لاستكمال مسارها الإمبراطوري ولكن بـ«المغامرة المحسوبة» كما عبّر عنها الصحافي دايفيد أغناتيوس.
والحال أنّ هناك ضرورة ملحّة لإتمام مراجعة شاملة حول ما هو مضيئ في «الربيع العربي» وفي ما هو قاتل وهذا ما سوف نفعله في سلسلة مقالات لاحقة خصوصًا أن بعض الدول العربية التي استُهدفت إنما واجهت محاولة إسقاط أنظمتها ومنها ما سقط ويعيش الآن نتائج «الفوضى الخلاقة» التي شرعت واشنطن بتعميمها منذ ما قبل خمس سنوات من ظهور ما نطلق عليه «الربيع العربي» وتحديدًا منذ عام 2005 حيث كانت بداية المحاولة فعلًا قد جاءت من سورية».
ومن سورية سوف نبدأ حلقاتنا اللاحقة لأنّ استهدافها يشكّل حجر الزاوية في كل ما خطّطت له أميركا ودول الاتحاد الأوروبي التي شكلت الجوقة الدولية لترديد العزف على وجوب التغيير.
المراجع:
قائد قوّات حلف الناتو ضدّ صربيا عام 1990.
مذكرة نشرها وكيل الوزارة «دوغلاس فيث» الذي يحمل الجنسية «الإسرائيلية» في كتابه عن العراق «الحرب والقرار».
أزمة في سورية ـ انفجار الداخل وعودة الصراع الدولي 2011 ـ 2013 كمال ديب «دار النهار»
الفرصة الثانية زبغنيو بريجينسكي «دار الكتاب العربي» بيروت
مصدر سابق
الربيع العربي آخر عمليات الشرق الأوسط الكبير حسن محمد الزين «دار القلم الجديد».
المصدر نفسه

البناء

  عدد المشاهدات: 799
 
طباعة
شارك برأيك

الاشتراك بالقوائم البريدية
البريدالإلكتروني: