آخر الأخبار
الأمية تضاعف بنحو الثلث خطر الإصابة بالخرف   الرئيس التونسي يكلف الحبيب الجملي تشكيل الحكومة   الجيش يخوض اشتباكات عنيفة ضد قوات الاحتلال التركي ومرتزقته على مشارف قرية المناخ بريف تل تمر شمال غرب الحسكة   بتكليف من الرئيس الأسد.. الوزير عزام يقدم التعازي بوفاة الشيخ الجليل راكان الأطرش بالسويداء   الجمعية العامة تجدد التأكيد بأغلبية ساحقة على سيادة سورية على الجولان المحتل وتطالب (إسرائيل) بالكف عن استغلال موارده الطبيعية   بسبب التكنولوجيا... شيخ الأزهر يحذر من وحوش الجرائم الجنسية ضد الأطفال   نظام الدفع الجديد بين دول البريكس من الممكن أن يضرب الدولار   Cumhurbaşkanı Esad Rusya 24 Kanalı ve Sivodina Ajansı’na: Suriye’deki Amerikan Varlığı Amerikalılar Arasında Hasarlara ve Çıkmalarına Yol Açacak   Le président al-Assad à la chaîne de télévision Russia 24 et ROSSIYA SEVODNYA : La présence américaine en Syrie donnera naissance à une résistance militaire   President al-Assad: The American presence in Syria will generate military resistance which will exact losses among the Americans, consequently force them to leave   
 الصفحة الرئيسية   قلوب دافئة

" العائد" ......... بقلم : باسل يونس الناصر

حقيبة ظهر ممزقة ..
عشر رصاصات ..
مئتا ليرة سورية ..
ساق مصابة بالشظايا بلا جبيرة ..
والكثير الكثير من الأمل 
كان ذلك كل ما بحوزته ...
"يوسف ... إجازة اسبوعين"
امتلأت عيناه بالسعادة .. كسعادة صبي مدرسة يجلس على تلك النافذة يوم الثلج الوحيد في السنة ... إجازة
"رجاع لعند اهلك وطيب بسرعة .. ناطرينك"
حاول أن يخفي سعادته .. أمام أعين زملائه الذين حرموا من أهلهم وأحبتهم بضعا من السنوات
وعلى صوت سيارة الجيب المهترئة الذي قد سمعه صوتا من السماء .. حمله زميله ووضعه في المقعد الأخير
في الطريق .. عاصفة من الذكريات والأفكار عصفت بدماغه
صوت أمه تودعه قبل خمس سنوات .. لازال يرن في أذنه كأنه الآن
وجه حبيبته التي تركها بين الأرملة واليتيمة تارة أخرى
يحصي بيده دموعها ويضحك
أخته الصغيرة تتعلق بقدمه "يوسف لا تروح .."
لكن قراره كان أقوى من كل ذلك ..
الطريق الترابية المحفورة التي حولت السيارة إلى "باص هوب هوب" كمان كان يحلو له تسميته .. باتت الآن بالنسبة له وقتا ضائعاً يفصله عن كل تلك الخيالات ..
وعلى مشارف قريته الصغيرة الوحيدة على سفح الجبل .. تنفس الصعداء
"بنزل بساعدك لتوصل عالبيت" 
جاءه صوت السائق ليوقظه من حلم يقظته ..
"لا شكرا خيي البيت قريب بيعيني الله"
"سلم عالأهل .. نشوفك بخير وسلامة"
توقف برهة امام شجرة السنديان الباسقة
تذكر صبية طفولته يركضون حولها يركلونها حينا ويحكُّون لحائها بالسكاكين حيناً آخر ..
اقترب منها وبدأ يتلمس تلك الكلمات الساذجة
ب+م= 
ذكرى أحلى شباب فريق الطابة
عليا .. رح اشتقلك .. حنا بيده مطولاً على تلك الكلمة ثم شعر بغباء تصرفه أمام منتظري السرفيس 
تمالك نفسه ومضى يعرج
توقف أمام باب منزله الفقير لحظة .. يفكر كيف سيلقى أمه وأخته الصغيرة وأباه الذي أقعدته السنون عن الحركة ..
دفع الباب على مهل ..
لينظر الى أمه كما اعتاد شكلها ..
محنية الظهر تجلس على جذع شجرة تقلب وعاءاً أسود اللون والنار تحته ..
دخل بخار الطعام في أنفه 
تذكر أنه لم يأكل منذ يومين 
أمي ... بح صوته مختنقآ
لا رد
أميييييي 
جمدت الأم في مكانها
توقفت عن التقليب
واستدارت بسرعة لتجد ابنها ذو القامة الضخمة التي اختصرت منها الحرب بعضاً يقف خلفها ..
تملكها الصمت لثوان
ورمت بنفسها على صدره الواسع
لم تقو على النطق بكلمة .. دموعها كانت أشد تعبيراً
قبلت جبينه وخديه ويديه المتسختين
ضمته حتى ضاق به النفس
"يا روحي انت يا يوسف الحمدالله عسلامتك"
بدأ يضحك بلا سبب
وإذ بأخته التي تركها طفلة تسير في أرض الدار
ركضت إليه وتعلقت برقبته
وبدأت تبكي وتضحك
جرَّ يوسف أمه وأخته واتجه لغرفة والده
دخل الغرفة ذات السقف القصير وانحنى وقبَّل يديه عشرات المرات
يد الأب تحنو على رأسه "طمني عنك يا ابني"
"بخير يا بيي بخير مشتاق شوفكن"
تلك اللحظات القصيرة التي مرت عليه كأنها الدهر أنسته ألم ساقه المصابة
وبعد برهة ليست بالقصيرة
أجال نظره في الغرفة وبوجه أبيه وأمه وأخته وعيونهم المتسمرة على وجهه
"صايرة صبية فطومة"
ضحكت أمه لأول مرة
كانت تلك السنوات الخمس قد كبَّرت والديه عشرات السنين
حفرت الغضون طريقها في وجوههم
"كيفا ... عليا"
ابتسم والده
"بعدا ناطرتك... من يوم تركتا ورحت
عم تعد اليوم والساعة لترجع
روح شوفا ما ضل فيا حيل عغيبتك"
تمالك نفسه ونهض
شدت عليه ساقه لكنه حاول إخفاء الأمر أمام أمه التي ذابت عيناها في محياه الهزيل
مشى مسرعا إلى منزل عليا
دق الباب مراراً .. لا أحد في المنزل
وقف حيناً ورمى برأسه على الباب يطرقه بخفة ..
شعر بأن كل ما تمالكه من نفس سينفجر الآن على تلك العتبة
وبعد دقائق
شعر بيدين صغيرتين تتلمساه كتفيه
وظهره
صوت الشهقات يتعالى
التفت برأسه ليرى وجه حب حياته ينظر إليه ..
لم ير في حياته عينين يملأهما الحب كتلك العينين الخضراوين المليئتين بالدمع
وبدون أن يشعر أو يفكر ..
كانت الفتاة على صدره
دفنت رأسها وبدأت تهذي وتبكي
حاول بمشقة أن يفهم منها كلاماً .. لكنها لم ترض أن تزيح وجهها المدفون في صدره
" لك قومي عني يا بنت إلي 3 شهور مو متحمم"
حاول خداعها بتلك الكلمات الغبية
فزادها بكاءاً على بكاء
وبعد وقت طويل ..
أبعدت رأسها الصغير
رفع وجهها لينظر الى عينيها ...
وابتسم ..
"لا تروح " غصت بها الكلمات
هزت رأسها بعنف وقالتها ثانياً وثالثاً ورابعاً 
تارة بصوت مختنق
وتارة بلا صوت
"لا تروح يوسف "
"الله يخليك ضل"
عانقها مجدداً ليخفي تعابير وجهه
دقت بيدها الصغيرة على صدره عشرات المرات .. وتابعت رجاءها
كانت له كمن يطلب لمس القمر أو تقبيل الشمس
- اجيت كرمالك إجازة أسبوعين ..
- ما بيكفي .. ببوس إيديك لا ترجع
أسكتها .. شعر أن تلك اللحظة الجميلة يجب أن لا تتوقف
نظر بحنق إلى ساقه
تمنى لو أنها بترت
أيتمنى الجريح أكثر من جرحه!!
أم أن ألف جرح فيه ,, أفضل من جرح واحد في قلوب أحبابه

  عدد المشاهدات: 358
 
طباعة
شارك برأيك

الاشتراك بالقوائم البريدية
البريدالإلكتروني: