آخر الأخبار
الأمل بالعمل



الأكثر زيارة
 الصفحة الرئيسية   مقالات  

انتصار قائد و ميلاد عالم جديد - بقلم أحمد الشقاوي
June 12, 2013 12:02

 

mepanorama111728
 


كل الأخبار - مقالات :
ما تعرضت له سورية شعبا و جيشا و نظاما خلال أزيد من سنتين من عمر الأزمة يفوق التصور.. فمن كان يظن أن دمشق ستصمد كالصخر في وجه الإعصار الجارف و المدمر الذي ضرب سورية نظاما و جيشا و شعبا و بنية تحتية؟.. لا أحد من دول المنطقة و عواصم القرار الدولي و ضع في الإحتمال إمكانية أن لا يسقط النظام و يفكك الجيش و تقسم البلاد إلى أربع دويلات طائفية.. و هذا في حد ذاته يعد انتصارا كبيرا لسورية و هزيمة مذلة لحلف المتآمرين.
عندما انطلق الربيع العربي في المنطقة، لم يتطلب الأمر أكثر من أيام معدودات لسقوط الديكتاتور ‘بن علي’ في تونس و بعده فرعون مصر ‘حسني مبارك’، و هما النظامان اللذان كانا مدعومين من قبل أمريكا و إسرائيل و أوروبا و الأنظمة العربية العميلة.. لكن إرادة الشعوب السلمية انتصرت في النهاية، فما كان من الإدارة الأمريكية إلا أن تنازلت مكرهة عن حلفائها المخلصين، و ركبت ثورات الشعب التونسي و الشعب المصري لتسلم الحكم للإسلاموين وفق اتفاقات مشبوهة تمت في الغرف المظلمة بواشنطن، التزم بموجبها “الإخوان” بالحفاظ على مصالح أمريكا و مراعاة أمن إسرائيل في المنطقة.
نفس الشيىء حصل في اليمن الذي رفض شعبه تحويل ثورته إلى ثورة مسلحة ضد النظام، رغم حملات القمع و القتل و التنكيل و الإعتقالات التي مورست ضد اليمنيين، ورغم كل محاولات السعودية و قطر التحريضية و الإستفزازية لجر الشعب إلى الصدام المسلح مع الجيش لتبرير استعمال العنف القاتل ضده بهدف ترهيبه و إخماد ثورته، لأن أي تغيير ديمقراطي في اليمن يعني حكما انتقال الثورة سريعا إلى مشيخات الخليج. فطال أمد الأزمة إلى أن نجحت أمريكا و السعودية في استمالة آل الأحمر وعقدت معهم اتفاقا سريا تم بموجبه استبعاد الرئيس ‘علي صالح’ و تولي نائبه السلطة، في تغيير شكلي طال بعض الوجوه من دون أن يمس أسس النظام العميق في هذا البلد.
و بالنسبة للبحرين، القلق كان كبيرا و عميقا، فبرغم احتجاجات الشعب البحريني السلمية، إلا أن السعودية سارعت إلى إرسال أرثال الدبابات و السيارات المصفحة و جحافل جنودها المدججين بكل أنواع السلاح و وسائل القمع الهمجي لإجهاض الثورة في هذا البلد الخليجي الصغير. كما حاول النظام من جهته، اللعب على ورقة المذهبية و اتهام ايران بإلوقوف وراء ما يحصل في المنامة. إلا أن تقرير ‘باسيوني’ كان مخيبا لآمال الخليجيين عندما خرج بخلاصة مفادها أن لا علاقة لإيران بما يحدث في البحرين، وأن الإحتجاجات السلمية العارمة تقتصر على المطالبة بالحرية و الديمقراطية و المشاركة في اللعبة السياسية، و ليس ضمن مطالبها إسقاط النظام. لكن، و نظرا لحساسية البحرين، باعتباره مكونا أساسيا من منظومة مجلس التعاون الخليجي، تمت التعمية على الحراك الشعبي من قبل وسائل الإعلام الغربية و العربية على السواء، في تواطىء مكشوف مع النظام الفاسد المستبد، و تآمر خبيث ضد الشعب.. ولا زالت الإنتفاضة مستمرة منذ فبراير 2011 إلى اليوم، دون أمل في أن يحصل التغيير قريبا.
و إذا قسنا ما حصل في دول الربيع العربي المشار إليها أعلاه مع ما تعرضت له سورية من قتل و دمار و خراب لم يستثني شيىء، لا بشر ولا شجر ولا حجر، بفضل تكالب عواصم القرار في الغرب ومنطقة الخليج، و تخصيص مليارات الدولارات لتدمير الشام، و تسخير عشرات الآلاف من التكفيريين الإرهابيين من رياح الأرض الأربعة (120 ألف بمن فيهم المقاتلين المحليين)، و ضخ عشرات الآلاف من أطنان السلاح (165 ألف طن) من كل نوع وحجم بما فيه الكيماوي، و إدخاله من دول الجوار السوري (لبنان، الأردن، تركية، العراق)… لا يمكن لأي محلل عقلاني و موضوعي أن يتصور إمكانية صمود و استمرار النظام في سورية بكل حسابات و مقاييس و معايير التوقعات السياسية و العسكرية و الإقتصادية و الإجتماعية.. هذا أمر مستحيل.. و مع ذلك، و رغم كل ذلك، صمد النظام و أصبح قاب قوسين أو أدنى للخروج من عنق الزجاجة منتصرا مما أصبح يعرف بأقسى الحروب الكونية التي تعرضت لها دولة سورية.
مناسبة هذا الكلام، حوار دار بيني وبين مجموعة من الأصدقاء في بلجيكا، ومنهم برلمانيين في الإتحاد الأوروبي ببروكسيل بمناسبة أعياد الميلاد نهاية سنة 2012. حيث كان الجميع يجزم بأن أيام النظام السوري أصبحت معدودة، وأن ساعة السقوط على الأبواب، وأن ما يدور اليوم من حديث هو حول سورية ما بعد الأسد.. وعندما سألوني عن رأيي، قلت: إن الأسد لن يسقط، وسورية ستخرج من الحرب أقوى مما تتصورون.. ضحك الجميع واعتقدوا أن الأمر مزحة.. كنت جادا في طرحي، وشرحت لهم بهدوء وجهة نظري آنذاك والتي لخصتها في عوامل ثلاث:
الأول: على المستوى الداخلي، ارتكب الرئيس بشار الأسد أخطائا جسيمة في المجال السياسي، فهو مثله مثل بقية الحكام العرب، رئيس مستبد بالحكم، له نظام مخابراتي و بوليسي قاسي، وبالتالي لا يمكن اعتبار النظام في سورية نظاما ديمقراطيا يسمح بمساحة معقولة من الحريات و بالمشاركة السياسية الفعلية التي تعني إشراك الشعب في تقرير مصيره، وآليات شفافة لتداول السلطة، أقله على مستوى الحكومة التي يجب أن تكون نابعة من صندوق الإنتخابات و تمثل تطلعات الشعب السوري و آماله.. لكنه ليس حاكما فاسدا، وما يتخذه الرئيس من قرارات، تصب في مجملها في خدمة شعبه و بلده. كما أن وجود سورية في قلب معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، دفع بالأسد لبناء قوة عسكرية ضخمة، و اعتماد سياسة جديدة للتصنيع العسكري، حيث استفاد من عديد العلماء العراقيين الذين فروا من بلادهم زمن الغزو الأطلسي لبلاد الرافدين مخافة أن تطالهم يد القتل الإسرائيلية، و ساعدته إيران و روسيا و الصين وجنوب إقريقيا بالتكنولوجيا الضرورية.
و على المستوى الإقتصادي، يمكن القول أن أسوء قرار اتخده الرئيس بشار الأسد في حياته، هو تحويل الدولة السورية من نظام اقتصادي إشتراكي إلى نظام ليبرالي متوحش بضغط من الغرب سنة 2005 مباشرة بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري، ما رفع عنه الإتهام السياسي و حوله الغرب في اتجاه حزب الله من باب الإبتزاز. هذا القرار كانت له انعكاسات سلبية على مستوى شرائح واسعة من الشعب السوري، فعمق بشكل من الأشكال الفوارق الإجتماعية، و خلق طبقة جديدة من الإنتهازيين الفاسدين و المنتفعين من المقربين الذي جمعوا بين السلطة والمال على حساب أولويات المواطن في التنمية.
هذه العوامل الداخلية، السياسية و الإقتصادية السلبية، خلقت واقعا، أو لنقل بيئة معادية لحكم الرئيس الأسد، ومن هذه المعطيات اعتقد الغرب أن تفجير ثورة شعبية في سورية من شأنه أن يوحد الشعب ضد النظام في دمشق و يسرع بإسقاطه. علميا، ومنطقيا، هذه حسابات دقيقة و صحيحة…
لكن، ما خفف من وطئتها، وجعل شرائح معتبرة من الشعب السوري تقلل من حماستها لتغيير النظام، هو تجاوب الرئيس مع مطالب الإصلاح، و قبوله بمراجعة الدستور، و إلغاء وصاية الحزب الواحد على المؤسسات و الشعب، و القبول بمبدأ تداول السلطة بما يشمل حتى منصب رئيس الجمهورية في انتخابات شعبية ديمقراطية شفافة، و توسيع مساحات الحريات السياسية سواء بالنسبة للإعلام أو الحريات الفردية و الجماعية، وإصدار عفو عام لتنفيس الإحتقان، والتراجع عن نموذج الإقتصاد الليبرالي (السياسة الإقتصادية)، و العودة إلى نموذج الإقتصاد الإشتراكي (الإقتصاد السياسي)، الذي يضمن فرص الشغل للشباب ويوفر الإحتياجات الأساسية لكافة شرائح المجتمع، وخاصة منها الطبقة الفقيرة. هذه الإجراءات عرقلت محاولات إسقاط النظام بالإحتجاجات السلمية. الأمر الذي دفع بمديري “الثورة” إلى الإسراع بتفجير العنف المسلح لإفشال قرارات الرئيس بشار الأسد النوعية، و سد الطريق أمام تطبيقها، بعد أن استهجنها الغرب وقلل من قيمتها، واعتبرها محاولة متأخرة و فاشلة للإلتفاف على ثورة الشعب السوري.
الثاني: أن الرئيس بشار الأسد كان يتمتع برصيد سياسي وازن بسبب اعتماده سياسة الممانعة و المقاومة ضد إسرائيل و محور أمريكا و الأطلسي، و بسبب دعمه اللامحدود و اللامشروط للمقاومة في لبنان و قطاع غزة، و احتضانه للعديد من الفصائل السياسية للشعب الفلسطيني في سورية بالإضافة للاجئين. و اعتبره حزب الله شريكا أساسيا في انتصارات المقاومة المسلحة في لبنان و غزة، الأمر الذي وفر له رصيدا شعبيا مهما، بخلاف بقية الأنظمة العربية في المنطقة التي تعتبر أنظمة عميلة وتتهمها شعوبها بالخيانة والتخلي عن قضية الأمة المركزية التي تمثلها فلسطين. وهذا عامل حاسم يحسب للرئيس الأسد، خاصة بعد أن اكتشف الشعب السوري أن المستهدف من المشروع الذي تقوده عواصم القرار في الغرب بتحالف مع دول المنطقة، ليس هو إسقاط الرئيس فقط، بل إسقاط النظام بالكامل بما في ذلك المؤسسة العسكرية التي تعتبر أقوى ما تملك سورية والضامنة الوحيدة للدفاع عن الأرض و الشعب ضد أية مغامرة إسرائيلية محتملة، وهو ما يعني إسقاط خيار المقاومة في سورية ولبنان والمنطقة، الأمر الذي ظهر أنه يخدم أهداف إسرائيلية بحثة لا علاقة لها بالحرية و الديمقراطية في سورية.
الثالث: ويتعلق بطبيعة “الثورة” و وسائلها و أدواتها، ذلك أن دخول الإرهابيين و السلاح إلى سورية بدعم من السعودية و قطر و تركية و مخابرات الأطلسي، جعل السوريين يتخوفون على نمط عيشهم و أسلوب حياتهم، و بالتالي، دفع بالبيئة الحاضنة لما سمي بـ”الثورة” السورية إلى التمرد ضد هذا الشر المطلق و رفض أنموذج التكفيريين الظلامي المتخلف، و التمسك بالدولة السورية الحاضنة لكل مكوناتها الطائفية و المذهبية. ولعل الرهان على مقترب استعمال التكفيريين كأدات للتغيير في سورية، كان خطأ فظيعا ارتكبه الداعمون لما يسمى بـ”الثورة” السورية، مما يؤكد أنه لو كان في سورية فعلا ثورة شعبية سواء سلمية أو مسلحة، لما كانت هناك أصلا حاجة لإستقدام الإرهابيين و زبالة المرتزقة لقتال الجيش السوري، و إشاعة الخوف و الموت و الخراب في البلاد و بين العباد. و هذا لعمري، هو السبب الرئيس لفشل مشروع التغيير في سورية. وعدم الإنتباه لهذا المعطى، هو الذي جعل أصحاب مشروع التغيير لا يضعون خطة بديلة في حال فشل الرهان على هذا العامل التخريبي، و بالتالي، جعلهم لا يضعون في الإحتمال منذ البداية سؤال: و ماذا لو لم يسقط النظام؟.
اليوم تأكدت صوابية هذا التحليل، فالرئيس السوري نفسه من خلال حواراته الأخيرة سواء مع قناة الإخبارية السورية أو قناة المنار اللبنانية، أو من خلال لقاءاته مع الوفود العربية التي زارته تباعا خلال السابيع الماضية، أكد أن سر صمود سورية في الحرب الكونية التي خيضت ضدها، لا يعود لخطة انتقال الجيش العربي السوري من الدفاع إلى الهجوم، كما اعتقد العديد من المحللين، بل إلى تبدل البيئة الشعبية الحاضة التي رفضت الأنموذج التكفيري بعد أن اكتشفت خظورته على البلاد و العباد، بالإضافة إلى بسالة الجيش العربي السوري في الميدان ودعم اللجان الشعبية و انخراطها في حماية بيئتها من عودة التكفيريين بعد تتطهيرها، وطبعا تعتبر المقاومة اللبنانية شريكا في هذا النصر الكبير، خصوصا بعد سقوط مدينة القصير مؤخرا وتطهير ريفها من فلول الإرهابيين، ما مكن هذا التحالف المتين بما في ذلك إيران وروسيا والصين وجنوب إفريقيا والعراق (كل حسب مساهمته)، من تحقيق انتصار استراتيجي قسم ظهر التكفيريين، و أفشل خطط الغرب و إسرائيل الذين انخرطوا في المستنقع السوري بشكل كبير، و رهان مشيخات الخليج على إسقاط سورية و خنق المقاومة في أفق ضربها و إجتثاتها خدمة لأمن و استقرار إسرائيل.
صحيح أن أمريكا وحلفها لم يكونا منذ البداية يسعيا فقط إلى إسقاط النظام و اضعاف سورية، وبالتالي اإحتفاظ بخصم اقليمي ضعيف، بل كانا يريدان تدمير سورية بالكامل، وكان خيارهم في ذلك هي “الحرب الأهلية” السورية التي تم الترويج لها طويلا من خلال الإعلام، باعتباره الخيار الأفضل والأنزع لحسم الصراع من الداخل من دون اللجوء إلى خيار التدخل العسكري المكلف. وكان من شأن هذا الخيار أن يضعف إيران باعتبارها خاصرة الفدرالية الروسية في المنطقة، ليصار لجعل الأخيرة محطة أخرى في الرؤية الأمريكية الغربية الصهيونية المستقبلية.
وصحيح أيضا أن السبب الذي دفع واشنطن لتنحى منحى الحل السلمي وتقبل بروسيا شريكا في إدارة شؤون العالم، هو الوضع الإقتصادي الداخلي المأزوم، والذي لا يسمح بأية مغامرة عسكرية جديدة، خصوصا مغامرة من النوع الذي تضطر فيها إمريكا إلى مواجهة روسيا و الصين.. هذه موازين جديدة تفوق حسابات الساسة و العسكر في واشنطن.
وصحيح أيضا، وفق ما تؤكده معلومات إعلامية من واشنطن، أنّ السبب الذي دفع و يدفع واشنطن لتأجيل مؤتمر “جنيف 2″، و رفع مستوى مطالبها كشرط للمحادثات، هو تورطها بعمق و بكثير مما يبدو ظاهرا على السطح، كون معظم صور وتجليات هذا التورط الأمريكي يمر عبر قطر، و وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي التي تحدد الأطراف التي تحصل على المال والسلاح الذي يمر عبر تركيا وغيرها من دول الجوار السوري العربي. لكن بالنهاية تم الإتفاق على الخطوط العامة العريضة بين القوتين، وبقى تدوير الزوايا فيما له علاثة ببعض التفاصيل الخاصة بلبنان و إيران. وأقدمت الإدارة الأمريكية على توجيه دعوة رسمية شفوية إلى إيران لحضور مؤتمر “جنيف 2″.
الحكومات الاوروبية المشاركة في مؤامرة تدمير سورية، هي بدورها وصلتها الرسالة وفق ما يؤكد برلمانيون، وبدأت تعيد حساباتها، و تراجع خياراتها، و تبحث لها عن مخارج مشرفة للهروب من الأزمة السورية دون أن ينعكس ذلك على شعبيتها في الداخل، تاركة عربان الخليج يصرخون كذئاب تائهة في صحراء قاحلة، ولا من مجيب.. بعد أن تم ابتزازهم وإفراغ صناديقهم مما نهبوه من مقدرات شعوبهم دون نتائج تذكر في سورية.
و يتوقع مراقبون أن تعرف الأشهر القليلة المقبلة تغييرات جذرية على مستوى الأنظمة والحكومات في المنطقة، بدءا من تركية التي تعرف غليانا متصاعدا مطالبا يإسقاط أردوغان وحكومته المتآمرة، مرورا بقطر التي فهم أميرها ما ينتظره من حساب عسير، ففضل الهروب باكرا والتنازل لولد عن السلطة رسميا في الفاتح من آب/أغسطس المقبل، خصوصا بعد تدخله السافر الأخير في ايران، و فشله الفظيع في سورية، و تمويله المجنون للإرهاب في كل مناطق العالم من مالي إلى أفغانستان. أما السعودية، فأبو متعب قاب قوسين أو أدنى من الرحيل إلى أصل الجحيم، والسعودية تنتظر على فوهة بركان، وكل التقارير الغربية تتحدث عن صراعات قادمة بين الأمراء واتفاظات شعبية عارمة ستطهر البلاد من رجس الوهابية التلموذية التي خربت العالم العربي ودمرت صورة الإسلام في العالم.. و إذا انفجر الوضع في السعودية، فبقية المشيخات ستسقط كأحجار الدومينو…
و الذين لا يزالون يتحدثون اليوم عن خيار التدخل العسكري لحسم الصراع في سورية، و يراهنون على المناورات الإسرائيلية و مناورات “الأسد المتأهب” الأخيرة في الأردن (عبد الباري عطوان نموذجا)، فهم حتما لا يفهمون في السياسة ولا في الإستراتيجية، ويعتمدون في تحليلاتهم على الحرب النفسية التي تشنها إسرائيل عبر فقاعات اخبار كاذبة لا تصمد أمام المعطيات الدولية و الإقليمية القائمة بعد معركة القصير و قرب حسم معركة الشمال في حلب و إدلب و ريفهما، بالإضافة لبعض الجيوب في ريف دمشق، ليتم تطهير سورية بالكامل من زبالة التكفيريين. وقد أعطي الضوء الأخضر لسورية في هذا المجال، بعد اتفاق الأمريكي والروسي على التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب.. فلا ثورة سورية ولا من يحزنون.. فاستفيقوا أيها الواهمون.
و ما فات هؤلاء المتحاملين على سورية، هو عدم قدرتهم على فهم التحولات الكبرى التي تتم في الكواليس على المستوى الدولي قبل الإقليمي، ونقصد بذلك الموقف الأمريكي و الروسي و الصيني. ولتوضيح الأمر نقول، أن روسيا وأمريكا والصين وصلوا إلى اتفاق نهائي مبرم حول مجموعة أسس لحل قضايا الخلافات القائمة بينهم، سواء في شأن كوريا الجنوبية أو سورية، أو إيران، و وضعوا الخرائط لإعادة توزيع النفوذ على أساس الشراكة الإستراتيجية في إدارة شؤون العالم في السلم وأثناء النزاعات المسلحة. وها هي كوريا الشمالية ستجتمع قريبا مع كوريا الجنوبية، وسيكون توقيع اتفاق التعاون الإقتصادي بينهما لنزع فتيل التوتر في المنطقة أول خطوة على مسار التفاهم الصيني الأمريكي.
أما سورية، فقد أعلن بوتن قبل أيام أن لروسيا مصالح استراتيجية تتعلق بأمنها القومي في سورية، وهذا معناه، نهاية وهم التدخل العسكري بعد أن تم الإتفاق على أن تتولى روسيا إدارة شؤون الأمن في سورية و ايران، فيما الخلاف لا يزال قائما حول لبنان في انتظار نتائج الإنتخابات الإيرانية المقبلة، التي كانت السبب وراء طلب أمريكا تأجيل مؤتمر “جنيف 2″. لماذا؟..
لأن أمريكا بعد فشل تدخلها السافر في الإنتخابات الإيرانية الماضية حيث جائت النتائج بعكس التوقعات، فضلت هذه المرة التزام الصمت سياسيا و إعلاميا تجاه ما يجري في هذا البلد الكبير، على أمل أن ينجح الإصلاحيون في تولي سدة الحكم، مراهنة بذلك على الوضع الإقتصادي المتأزم الذي افتعلته بسبب الحصار الخانق الذي طال كل شيىء بما في ذلك الدواء. لكن أمريكا وكعادة الأغبياء في الغرب، تفكر بمنطق الإقتصاد على حساب الكرامة، وتجهل أن الشعب الإيراني الأبي يرفض مقايضة كرامته بلقمة عيشه ودوائه، ويفضل انتخاب المحافظين الأمينين على ثورته لإسقاط حسابات الوهم الأمريكية. هذا مع العلم أن القرار الإستراتيجي سواء فيما له علاقة بالسلم والحرب أو الملف النووي يبقى في يد المرشد الأعلى لا الحكومة، لكن صعود إصلاحي متحمس للإنفتاح مع الغرب من شأنه أن يخلق بعض البلبلة و الإضطراب في الأوساط الشعبية في حال اصطدامه مع القيادة.
و وفق المعلومات المؤكدة، يقول ديبلوماسيون غربيون، أنه تم الإتفاق بين أمريكا و روسيا على انتظار نتائج هذه الإنتخابات التي ستجرى يوم الجمعة المقبل، فإذا نجح رئيسا محافظا، فستتخلى أمريكا نهائيا عن الملف الإيراني للإدارة الروسية، وسيتم التوافق على لبنان وفق ما ستسفر عنه نتائج الإنتخابات المقبل التي تراهن أمريكا على أن تجري في القريب العاجل على أساس قانون الستين، بعد أن يسقط المجلس الدستوري قرار التمديد للبرلمان لعدم شرعيته ودستوريته خلال هذا الأسبوع. ولحزب الله وحلفائه حسابات أخرى سنتطرق إليها بالتفصيل في مقالة مستقلة بحول الله.
سورية الجديدة
و من لا يزال لديه شك في أن الأمور ذاهبة في اتجاه ميلاد عالم جديد تديره أمريكا (الأطلسي) و روسيا (البركس) بشراكة وتوافق ووفق خرائط نفوذ تم الإتفاق على رسوماتها الأولية.. نذكره، وهذه معلومات مؤكدة كذلك، أن روسيا وقعت عقدا ضخما للتنقيب عن النفط و الغاز في الساحل السوري مع الحكومة السورية، ما يعني أن روسيا ستتكفل بحماية مصالحها وعدم المساس بمصالح أمريكا في سواحل فلسطين المحتلة، في انتظار التفاهم حول لبنان.
وللذين يتباكون من باب الشماتة على الدمار والخراب الذي طال البنية التحتية وبيوت المواطنين في سورية نقول، أن الرئيس بشار الأسد رفض قرضا بقيمة 21 مليار دولار من صندوق النقد الدولي بدعم مباشر من أمريكا نفسها، في محاولة منها للنفاذ إلى سورية عبر البوابة الإقتصادية قبل أيام بشرط الحفاظ على النموذج الليبرالي. و للإشارة فأمريكا التي أعطت الضوء الأخضر لهذا القرض لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون بوارد ضرب سورية عسكريا، نقول هذا للذين يحللون الأوضاع في سورية بناء على نظرة ذاتية مؤسسة على منطق الوهم و المتمنيات الخيالية. وما حصل في التفاصيل، أن الرئيس بشار الأسد رفض هذا القرض برغم شروط الأداء الميسرة والتسهيلات المريحة و الطويلة الأمد. و ذلك لسبب بسيط، وهو أن الحكومة السورية وقعت مؤخرا عقدا ضخما مع الصين، ستقوم بموجبه هذه الأخيرة بإعادة إعمار سورية الجديدة بكل ما يلزم من بنى تحتية، و بيوت للمواطنين، و مرافق و مؤسسات عامة، و فنادق و حدائق ومتاحف ومنتزعات سياحية و غيرها… ما سيجعل من سورية قطبا للسياحة الروسية و الصينية والإيرانية و العربية وغيرها من الدول الأوروبية و الإفريقية. وسيكون لجنوب إفريقيا مساهمة فعالة في مرحلة البناء، و عقود محترمة في مجال التجهيز بسبب المساعدات العسكرية التي قدمتها لسورية في أزمتها الحالية، و التي اعتبرت ردا للجميل مقابل ما قدمته سورية لصالح الثورة في جنوب إفريقيا زمن الميز العنصري و سجن الزعيم مانديلا.
أما الذين سرقوا مصانع حلب للنسيج وباعوهم بالصولد في تركية، فستنشأ الصين أحياء صناعية في العديد من المناطق الإستراتيجية، وتجهزها بأحدث الماكينات الصناعية، لتتحول سورية إلى بلد مصدر للخيوط والنسيج بأسعار تفضيلية وجودة عالية لا تستطيع تركية منافستها في الأسواق الدولية. وكذلك الشأن بالنسبة للفلاحة، حيث ستقوم الصين و روسيا بتطوير هذا القطاع الحيوي بما يلزم للنهوض به، و ليظل الداعم الرئيس للغداء والإقتصاد السوري. ومن شأن هذه المشاريع وغيرها أن تقضي على البطالة في المدى المنظور، وتزيد من الدخل القومي. الأمر الذي سينعكس إيجابا على المستوى المعيشي للمواطنين، وستكون الدولة السورية بفضل النموذج الإقتصادي الجديد، هي الضامنة للتعليم والصحة والشغل والسكن و رفاهية مواطنيها.
وخوفا من أن تزيد هذه المشاريع الكبرى التي عقدها الرئيس بشار الأسد مع روسيا و الصين، من شعبيته، اشترطت أمريكا أن تجري الإنتخابات الرئاسية هذه السنة بمشاركة الأسد، ظنا منها أن الشعب السوري قد يرجح كفة مرشح منافس له.. وهو رهان خاسر كعادة رهان الفاشلين، خصوصا بعد أن أكدت دراسات أمريكية صادرة من معاهد متخصصة، وعن المخابرات المركزية في واشنطن، وكذلك تقارير أخرى متطابقة صادرة عن منظمة الحلف الأطلسي، أن الرئيس السوري في حال تقدمه للإنتخابات الرئاسية اليوم، فإنه سينال تأييد 70% من شعبه.
سورية المستقبل ستكون من أغنى الدول في المنطقة بفضل الإحتياطات الضخمة من النفط والغاز والتي ستستثمر لصالح التنمية، و بالتالي، فهي لا تحتاج لقروض من أية جهة دولية كانت، و ستكون شوكة في حلق مشيخات الخليج التي تنهب خيرات مواطنيها ومقدراتهم لتصرفها على نزوات الحكام و الأمراء الفاسدين وعلى صفقات السلاح الوهمية والمؤامرات الخبيثة الفاشلة.
سورية الجديدة ستعطي للمنطقة أنموذجا راقيا وناجحا في التعايش والحريات و الديمقراطية و الإقتصاد و التنمية و العدالة الإجتماعية.. وهذا هو الخطر الحقيقي والكبير الذي يهدد الأردن وتركية ومشيخات الخليج، ما جعلهم يصعدون من صراخهم وعويلهم بعد سقوط القصير… وهم بهذا يشبهون رقصة الديك المذبوح الذي ينتفض قبل أن يسلم الروح و يسقط السقوط الأخير.
انتصـــار قائـــد
أيها السوريون لا تنتظروا ‘غودو’ لأنه حتما لن يأتي.. أيها العرب الأحرار، لا تنتظروا جمال عبد الناصر، لأنه حتما لن يعود.. أيها المسلمون الشرفاء، لا تنتظروا صلاح الدين، لإنه قطعا لن ينتفظ من قبره ليحرر قدسكم.. لكن أبشروا اليوم بانتصار قائد جديد إسمه بشار الأسد، بفضل إيمانه بخيار المقاومة سبيلا وحيدا للتحرير، وبفضل قوة عزيمته، وتماسك جيشه البطل، و إلتفاف الشعب السوري الأبي من حوله، وانخراط المقاومة لدعمه حماية لمشروع الأمة الذي يمثل الأمل الأخير في الإنعتاق و التحرير.. قائد بعثه الله ليحرر عقولكم من ظلام الجهل، ويطهر نفوسكم من الخبث، و الغل، و الكراهية، و النفاق.. و يحرر قدسكم من غبن التاريخ و خيانة الحكام، ويفك عنكم أغلال العبودية و قهر الإستغلال.. قائد بحجم الآمال ومساحة الحلم الجميل.
ميـــلاد عالـــم جديـــد
اليوم يتداعى مشروع الشرق الأوسط الصهيوني الجديد كقصر من الرمال يجرفه جزر الصمود السوري الأسطوري.. اليوم تتساقط قلعة العالم القديم القائمة على القطبية الأمريكية الأحادية، حجر بعد حجر من هول الزلزال الذي هز أركانه من دمشق.. اليوم بدأ العالم يتحسس أنوار فجر جديد وهي تبشر بميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب، عالم أراده الله، صانع التاريخ، أن يكون أكثر توازنا و أقل ظلما و قهرا و استبدادا و فسادا.. عالم يبشر بنهاية عهد الطغاة و الخونة ولصوص المال العام، وبداية عصر الشعوب الأحرار.. عصر العزة و الكرامة و الإنتصارات.
فبشرى للسوريين المجاهدين بهذا الإنتصار الكوني الكبير الذي بدأت تباشير صبحه تلوح في الأفق القريب، وهنيئا لهم بقائد فذ قل نظيره في هذا الزمن العربي الرديىء.. قائد أبي أن يلين أو يستسلم، شامخ كجبل قسيون.. صلب كأنه قُدَ من صخر، لا ينكسر، ولا تهزه عواصف طغات العالم، ولا رياح العملاء و الخونة المتآمرين في المنطقة.
و هنيئا للعرب الأحرار ببزوغ شمس زعيم قومي جديد.. لن يكون حتما نسخة مكررة من جمال عبد الناصر (رحمه الله)، بل سيكون شخصية مميزة ستترك في تاريخ سورية و المنطقة و العالم بصمتها الثورية الجميلة..
لقد أصبح بشار الأسد اليوم، و من دون مبالغة، الإسم الأكثر تداولا في الإعلام على مستوى العالم لإرتباط إسمه بالصراع الكوني الدائر بين الكبار حول إعادة توزيع النفوذ في عالم متعدد الأقطاب، والشخصية المثيرة للإعجاب والتسائل في نفس الوقت على مستوى جغرافية شعوب الأرض.. إسم سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لأنه الإسم الذي اصطفاه الله وسخره ليكون القائد السياسي المحرك لسكون هذا التاريخ العربي المتكلس منذ عقود، جنبا إلى جنب مع القائد العسكري الكبير سماحة السيد حسن نصر الله.
وبهذا صدق وعد الله لنبيه الكريم (ص) و أصبح واضحا للجميع أن للشام رب يحميها من كيد الكائدين، ومؤامرة المتآمرين، وغدر الأعراب المنافقين.. لأن الشام هي قلب الشرق الأوسط مهد الديانات و الحضارات، و مركز العالم حيث بركان كل الحروب و الصراعات، منذ واقعة هابيل و قابيل إلى معركة الفصل الأخير بين المسلمين وصهاينة العصر الحديث وفق ما جاء في سورية الإسراء حول وعد الله الآتي.

 



  عدد المشاهدات: 1755

إرسال لصديق

طباعة
شارك برأيك

الاشتراك بالقوائم البريدية
البريدالإلكتروني: